ليس كل عودٍ يولد من الجمال، بعضه يولد من الألم.
عندما تُصاب شجرة الأكويلاريا بجُرح — سواء بفعل فأس إنسان أو عاصفة بريّة — تبدأ معجزة غير مرئية. تدخل الفطريات إلى قلبها، فتستنفر دفاعاتها الطبيعية. وهنا، تبدأ الشجرة بإفراز مادة راتنجية، سميكة، غنية، داكنة… هي ما نُسميه اليوم: العود.
العلماء يسمّون هذا “الدفاع الكيميائي المتأخر”. المركبات التي تُفرزها الشجرة مثل الـسيسكيتربين (Sesquiterpenes) والـكرومونات (Chromones) هي من تُعطي العود رائحته، لونه، وندرته. وكلما طال الزمن، واشتدت المعاناة داخل الشجرة، زاد تركيز هذا العود، وارتفعت قيمته.
لكن لماذا لا تنتج كل الأشجار هذا الراتنج؟
لأن الأمر يعتمد على عوامل كثيرة:
-
نوع الفطريات التي تصيب الجذع
-
درجة الرطوبة في التربة
-
عمر الشجرة وعمق الجرح
-
حتى مكان الشجرة في الغابة له تأثير
هناك فرق واضح بين العود الطبيعي والعود المُلقّح (الذي يُحقن بالفطريات يدويًا).
الأول يأخذ سنوات طويلة ليتكوّن… والثاني قد يُنتج خلال أشهر. لكن الرائحة؟ الذاكرة؟ العمق؟ هنا ينتصر الطبيعي.
علميًا، ما يحدث داخل الجذع هو سلسلة من التفاعلات المعقدة: تتكسر الخلايا، تتراكم المركبات العضوية، ويحدث تغيّر فيزيائي وكيميائي كامل في الخشب.
الخشب الأبيض يتحوّل تدريجيًا إلى بني، ثم إلى أسود داكن.
أشجار العود — مثل الأكويلاريا مالاسينسيس والسينينسيس — تعيش هذه الرحلة كأنها ولادة بطيئة لسرّ عطري.
وكلما صبرت الطبيعة، أعطتنا جوهرًا أغلى من الذهب.
نحن لا نحرق العود لنشمّه فقط…
بل نُشعل قصة شفاء مكتومة،
تحوّلت من جرح… إلى رائحة،
ومن فطر خفيّ… إلى هوية خالدة.